ابن ميثم البحراني
34
شرح نهج البلاغة
فلأنّ الكلمة إذا علَّقت بما يستحيل تعليقها به علم أنّها في أصل اللغة غير موضوعة له فيعلم أنّها مجاز فيه كقوله تعالى « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » ، وأمّا ثالثا فأن يعلم أنّ الواضع وضع لفظا لمعنى ثمّ استعمله في بعض موارده ثمّ استعمله بعد ذلك في غير ذلك الشيء كلفظ الدابّة الَّذي وضع لكلّ ما يدّب ثمّ خصّ بالفرس فصار حقيقة عرفيّة ثمّ استعمل بعد ذلك في الحمار فيعلم أنّه مجاز فيه إلى أن يغلب الاستعمال عليه فيصير حقيقة عرفيّة أيضا . الفصل الثالث في التشبيه وفيه أربعة أركان . الركن الأوّل - في المتشابهين . إنّهما إمّا محسوسان أو معقولان أو المشبّه به محسوس والمشبّه معقول أو بالعكس أمّا الأوّل فكقول علي عليه السّلام : لأهل البصرة كأنّي بمسجدكم هذا كجؤجؤ سفينة ، وقوله عليه السّلام : في وصف الأتراك كأنّي أراهم قوما كان وجوههم المجانّ المطرقة ، وأمّا الثاني فكقوله عليه السّلام : أداريكم كما تداري البكار العمدة والثياب المتداعية فإنّ المتشابهين هاهنا هو مداراته ومداراة أهل البكار لها ، والمداراة معنى إضافي معقول ، وما به المشابهة هو الصعوبة هاهنا كالصعوبة هناك ، وأمّا الثالث فكقوله عليه السّلام : في حقّ مر وان أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه فإنّ الإمرة حالة معقولة أشبهت لعقة الكلب أنفه في السرعة وهى أمر محسوس وقوله عليه السّلام أمّا بعد فإنّ الأمر ينزّل من السماء إلى الأرض كقطر المطر ، وكقوله كأنّي بك يا كوفة تمدّين مدّ الأديم العكاظي ، وأمّا الرّابع فكقول الشاعر . كأنّ بصاص البدر من تحت غيمه * نجاة من البأساء بعد وقوع وكقول الصاحب بن عباد وقد أهدى عطرا إلى القاضي أبي الحسن . أهديت عطرا كان مثل سنائه * فكأنّما أهدى له أخلاقه وقد منع الإمام فخر الدين من جواز هذا القسم من التشبيه اعتمادا منه على أنّ العلوم العقليّة مستفادة من الحواسّ فكان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيهه به يقتضي جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو محال وهذا سهو ، فإنّ الحواسّ وإن كانت طرقا للعلم إلَّا أنّها ليست كلّ الطرق له سلَّمناه لكنّ الممنوع إنّما هو جهة ما هو فرع لذلك الأصل لا مطلقا وهاهنا ليس كذلك فإنّ المعقول فرع للمحسوس من جهة ما هو مستفاد عنه فيمتنع أن يعود أصلا من تلك الجهة لكنّه لا يمتنع أن يكون فرعا له من تلك الجهة ومع ذلك يكون أصلا له في التشبيه والملاحظات الذهنيّة .